ابن كثير

111

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

من الخوف ما لم يدخل غيرهم ، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة ، فقالوا : الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن ، أما واللّه ما أحزنهم ما أحزن الناس ، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة ، ولكن أبكاهم الخوف من النار ، إنه من لم يتعز بعزاء اللّه ، تقطع نفسه على الدنيا حسرات ، ومن لم ير للّه نعمة إلا في مطعم أو مشرب ، فقد قل علمه وحضر عذابه « 1 » . وقوله تعالى : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً أي إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ لم يقابلوهم عليه بمثله ، بل يعفون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرا ، كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما ، وكما قال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ القصص : 55 ] الآية . وروى الإمام أحمد « 2 » : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي خالد الوالبي ، عن النعمان بن مقرن المزني قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وسب رجل رجلا عنده ، فجعل قال : المسبوب يقول : عليك السلام ، الرجل فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أما إن ملكا بينكما يذب عنك ، كلما شتمك هذا قال له : بل أنت وأنت أحق به ، وإذا قلت له وعليك السلام ، قال : لا بل عليك وأنت أحق به » . إسناده حسن ، ولم يخرجوه . وقال مجاهد قالُوا سَلاماً يعني قالوا سدادا . وقال سعيد بن جبير : ردوا معروفا من القول . وقال الحسن البصري : قالُوا سَلاماً حلماء لا يجهلون إن جهل عليهم حلموا ، يصاحبون عباد اللّه نهارهم بما يسمعون ، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل « 3 » . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً أي في طاعته وعبادته ، كما قال تعالى : كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الذاريات : 17 - 18 ] وقوله تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [ السجدة : 16 ] الآية ، وقال تعالى : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزمر : 9 ] الآية ، ولهذا قال تعالى : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً أي ملازما دائما ، كما قال الشاعر [ الخفيف ] : إن يعذب يكن غراما ، وإن يعط * جزيلا ، فإنه لا يبالي « 4 » ولهذا قال الحسن في قوله إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه ،

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 409 . ( 2 ) المسند 5 / 445 . ( 3 ) انظر الدر المنثور 5 / 141 . ( 4 ) البيت للأعشى في ديوانه ص 59 ، ولسان العرب ( عزم ) ، ومقاييس اللغة 4 / 419 ، وتاج العروس ( غرم ) ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 8 / 131 ، والمخصص 4 / 62 ، 12 / 98 ، ويروى « إن يعاقب » بدل « إن يعذب » .